شفشاون.. فردوس الجبل
إمام الليثي
[عزيزي الزائر / العضو لا يمكنك مشاهدة الرابط قبل الرد اضغط هنا للتسجيل ]
تمتاز المدينة بانحداراتها المفاجئةتأخذك طرقاتها المتعرجة ومنازلها المكسوة باللون الأبيض المطعم بلون لازوردي، إلى عالم من السحر الغامض، وتنتقل بك في عمق تاريخي يبلغ أربعمائة عام.. إنها "شفشاون" فردوس الجبل وأرض الخضرة والأنغام وقيثارة السواقي وأسطورة الألوان. شفشاون مدينة تأخذ من شمال المغرب عرينا لها على سلسلة جبال الريف، ويحدها شمالا البحر الأبيض المتوسط بواجهة بحرية تمتد على ما يفوق 120 كم، وجنوبا إقليما "سيدي قاسم" و"تاونات"، وشرقا إقليم "الحسيمة"، وغربا إقليما "تطوان" و"العرائش".
مشاعر متعددة وأحاسيس مختلفة تبعثها هذه المدينة التي تبعد 230 كم عن العاصمة المغربية الرباط، وتستقر على ارتفاع 660 مترا عن سطح البحر، فليل شفشاون يشعرك أنك في أحضان طبيعة رشت أعطافها بأريج زهرة برية غرست تحت سفح جبل "متسوكا" والقلعة في قلب سلسلة جبال الريف المطلة على البحر الأبيض المتوسط، أما نهارها فيضعك بين يدي مجاهد قوي شامخ لم تكسره الحروب التي خاضها وظل محتفظا بشموخه محافظا على يقظته.
ووفقا لبعض الباحثين فإن لفظة "شفشاون" تعني باللغة الأمازيغية "قرون الجبل"؛ حيث تشبه قمتي جبل "ميتسوكا و"القلعة" اللتين تحيطان بالمدينة قرني ماعز جبلي.
تمتاز المدينة/ اللؤلؤة بطبيعتها الجبلية الوعرة وانحداراتها المفاجئة وأوديتها المنخفضة، مما جعلها بقعة مناسبة لتجمع الجيوش المجاهدة العابرة للأندلس أيام الفتوحات والمدافعة عن المغرب أيام الانكسارات، وهي المدينة التي تأسست عام 1471م على يد "علي بن راشد"، لإيواء مسلمي الأندلس بعد طردهم من طرف الإسبان; حيث كانت بمثابة قلعة للمجاهدين ضد الاستعمار.
أما مساحة الإقليم فتقارب 4350 كم مربعا، بينما تضم مدينة شفشاون وحدها ما يزيد على 35.709 نسمة، بحسب إحصاءات عام 2004.
نسخة من غرناطة
شاهد:ورغم أن المدينة ظهرت على الوجود عام 1471 على أيدي "الشريف علي بن راشد"، فإن هذه البقعة من الأرض عرفت تواجد الإنسان منذ العصور القديمة؛ فقد وفد إليها قبائل متعددة من فينيقيين وفاتحين عرب وبرابرة.. فقد وصلها "طارق بن زياد" أثناء عبوره للأندلس وبنى بها مسجدا ما زال يحمل اسمه حتى الآن في قرية الشرفات، كما مر بها أيضا "موسى بن نصير" الذي بنى مسجدا له أيضا بقبلة بني حسان شمال غرب المدينة.
- [عزيزي الزائر / العضو لا يمكنك مشاهدة الرابط قبل الرد اضغط هنا للتسجيل ]
ويبدو أن بناء المدينة جاء نتيجة الاهتزازات التي أصابت العدوة الأندلسية؛ حيث انتقل الشريف علي بن راشد من بلاط "الأمير أبو عبد الله الصغير" إلى هذه المنطقة وبنى قصبتها/ قلعتها وأوطنها أهله وعشيرته، لذلك فقد اتخذت المدينة طابعا معماريا أندلسيا حتى أنها تعد نسخة مصغرة لمدينة غرناطة، ويطلق عليها أهلها غرناطة الصغرى نظرا للتشابه الشديد في الطابع المعماري بين المدينتين.
ويجسد بناء القصبة الطراز الأندلسي في العمارة؛ حيث أحيطت القصبة بسور تتوسطه عشرة أبراج ويحتوي الفضاء الداخلي للقصبة على حديقة كبيرة، وقد أضيف إلى هذا الفناء فيما بعد المتحف الإثنوغرافي، والذي بني في القرن السابع عشر الميلادي في عهد "السلطان مولاي إسماعيل".
أحياء ومعالم
وفضلا عن القصبة فإن شفشاون تحفل بالأحياء العتيقة مثل: حي السويقة: ثاني أقدم تجمع سكني بني بعد القصبة، وقد ضم في بدايته ثمانين عائلة أندلسية قدمت مع "علي بن راشد"، ويضم هذا الحي أهم وأقدم البيوت الموجودة بمدينة شفشاون التي ترتدي لونا أبيض ممزوجا بالأزرق السماوي.
أما حي ريف الأندلس فقد بني على أساس إيواء الفوج الثاني من المهاجرين الأندلسيين الذين قدموا إلى مدينة شفشاون سنة 897هـ/1492م.
عموما، يتشابه هذان الحيان من حيث التصميم، غير أن حي ريف الأندلس مختلف عنه فيما يخص طبوغرافية الموضع التي حتمت على ساكنيه بناء منازل ذات طابقين أو ثلاثة، مع وجود أكثر من مدخل.
ولا يختلف المسجد الأعظم في طرازه عن نظرائه في الطراز الأندلسي، فقد بناه محمد بن علي بن راشد في القرن السادس عشر الميلادي على مساحة تقدر بـ130 م2، حيث يحتوي على مئذنة أندلسية الطراز وزخارف في مدخله الرئيسي وساحة داخلية تتوسطها نافورة ومدرسة لتعليم القرآن.
وهناك أحياء ومعالم أخرى مثل: ساحة وطاء الحمام وهي ساحة عمومية تبلغ مساحتها 3000م، كما أنها قطب المدينة التاريخي والسياحي باعتبار أن كل الطرق تؤدي إليها. إضافة إلى "حي العنصر" وهو الحد الشمالي الغربي لسور المدينة الذي عرف عدة إصلاحات في بنائه، سيرا مع التوسع العمراني للمدينة. كما سيجد الزائر "حي الصبانين" الواقع على طول الطريق المؤدية إلى رأس الماء (المكان الذي يزود المدينة بالماء الصالح للشرب)؛ حيث يمكن أن يرى الزائر مجموعة من الطواحين التقليدية التي كانت تستعمل لطحن الزيتون.
"الحرة" المجاهدة
تحكي طرقات المدينة المتعرجة وانكساراتها الحادة تاريخا طويلا من النضال، بداية من احتضان المهاجرين الفارين بدينهم من غرناطة عام 1492؛ حيث فتحت المدينة أبوابها لهؤلاء المنكوبين ليمتزجوا بأهلها ولا ينتهي الأمر بما قام به أميرها "الشريف علي بن حسن"؛ حيث زوج ابنته السيدة الشريفة التي تحمل لقب "الحرة" من أحد القادة الأندلسيين الذين وفدوا إلى المدينة وهو القائد "محمد المنظري" في بداية لعملية التآخي بين أبناء المدينة وبين الوافدين من الأندلس.
وتذكر لنا المصادر التاريخية أن السيدة "الحرة" وزوجها "محمد المنظري" قادا العمليات الجهادية ضد البرتغاليين إلى أن توفي القائد المنظري لتتولي زوجته بعد ذلك قيادة العمليات الجهادية بعد أن دانت لها مدينة شفشاون ومدينة تتوان، فكانت تصر على استقبال السفن التركية التي عملت في هذه الفترة على حماية شواطئ المغرب العربي وسيطرت على البحر سيطرة تامة لوقف المد الاستعماري الإسباني، وكانت تتعاون مع المجاهدين بشكل مباشر، وهو ما عرضها للمؤامرات التي انتهت بالإطاحة بحكمها.
وهنا يذكر المؤرخون روايتين الأولي تقول: إن "الحرة" وقعت ضحية شقيقها الذي تربطه علاقات وثيقة بالجانب البرتغالي، والذي حاول أن يثنيها عن التعاون مع المجاهدين، فانتهى الأمر بعزلها ثم قتلها.
وهناك ورواية أخرى تقول: إن عزلها جاء من أحد أقارب زوجها المنظري ولنفس السبب أيضا.
بين البصارة والحشيش
البصارة أو البيصرة كما ينطقها أبناء هذه المنطقة هي الوجبة التي يعشقها السياح وأبناء المنطقة، وهي وجبة غذائية مكوناتها: الفول المجروش الذي يطهى جيدا ويقدم مع زيت الزيتون والخبز لتملأ آكلها بالطاقة والشعور بالشبع في آن واحد.
ولا تكاد تخلو المحلات من زبائن البيصرة من السياح أو أبناء المنطقة ليلا أو نهارا حتى لكأن الناس هنا لا يأكلون غيرها.
صديقي الأستاذ "محمد قرماد" شيخ الخطاطين المغاربة، وله أبناء في هذه المنطقة، فسر لي ذلك الولع بوجبة البيصرة؛ حيث قال إنها كانت الوجبة الأساسية لأبناء الريف المغربي أثناء نضالهم ضد المحتل الإسباني، فالرجال المحاصرون بالجبال يحتاجون لوجبة تدوم طويلا ولا يصيبها العطب فكانت النساء تطهو الفول جيدا حتى تخلصه من الماء، ويصبح قوامه غليظا وتضعه في الزلع (الأواني الفخارية) وتسد فوهة الزلعة، ثم تدفنها في الأرض حتى لا تفسد، ووقت الطعام يخرج المجاهدون الزلعة ويأخذون ما بداخلها ويضعون عليه الماء فيسخن ويأكل مع زيت الزيتون وبذا يتغلبون بها على الحصار.
ولكن ما يسترعي الانتباه بحق للسائر ليلا في شوارع شفشاون هو رائحة الحشيش التي ترافقك حتى تتعود عليها، وكأنها عطر في أجواء المدينة؛ حيث تنتشر مزارع الحشيش في شفشاون، ويتناوله السياح الذين يفدون إلى هذه المنطقة في مقاهيها الكثيرة المنتشرة في أحياء المدينة.
وفي طريق عودتنا أشار "محمد قرماد" إلى إحدى الحدائق المحاطة بأشجار التين الشوكي متندرا بأنه ذات مرة كان معزوما في مزرعة مشابهة وأخذ ثمرة تين ويبدو أنها كانت في أرض ممتلئة بـ"القنب" فشربت من مياهها فكنت كمن أخذ حبه من القنب.
وطبعا لا يحتاج أن يحكي عما حدث بعد ذلك لرجل لم يجرب أن يشرب حتى السجائر فتعاطاه في ثمرة تين نبتت في شفشاون أخت غرناطة الصغرى وفردوس الجبل.المصدر: منتديات الشاعر نتatah,k>> tv],s hg[fg













رد مع اقتباس




Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.5.0 RC2
مواقع النشر (المفضلة)