
الدكتور المهندس منصور أبوشريعة العبادي
دكتوراه في الهندسة الكهربائية ـ الولايات المتحدة الأمريكية
أستاذ دكتور الهندسة الكهربائية ـ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية
هذا الجنين بدأت عملية خلقه من خلية واحدة فقط وكذلك هو الحال مع جميع أنواع الكائنات الحية إن عملية تحول خلية واحدة فقط إلى كائنات حية بمختلف الأشكال والألوان والأحجام تحدث أمام أعين البشر كل يوم تطلع فيه الشمس ولكن قل من يلقي لها بالا أو أن يتساءل عمن يقف وراء عملية التحول هذه وصدق الله العظيم القائل "وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ" يوسف 105.
فكم من بلايين البلايين من البذور تنبت كل يوم لتخرج شتى أنواع الأعشاب والأزهار والزروع والأشجار يصعب حتى على المختصين حصر عدد أنواعها؟ وكم من البيوض التي لا يعلم عددها إلا الله تفقس كل يوم لتنتج حشرات وزواحف وأسماك وطيور لا يعلم إلا الله عدد أنواعها؟ وكم من ملايين الحيوانات الثدية تلد إناثها كل يوم مواليد بمختلف الأشكال والأحجام؟ إن عملية التحول هذه تتجلى في أوضح صورها في تحول بيوض الحشرات والزواحف والأسماك والطيور إلى كائنات بالغة التعقيد في ساعات أو أيام معدودة. فالبذور تتحول إلى نباتات وهي مغروسة في الأرض والنطف تتحول إلى حيوانات وهي مزروعة في أرحام أمهاتها ولذا فقد يظن البعض أن الأرض أو الأرحام هي المسؤولة عن عملية التحول هذه. أما البيوض فلا ترتبط بأي مصدر خارجي قد يظن أنه يلعب دورا في إجراء عملية التحول هذ ولهذا فلا مجال للشك بأن هذه البيضة التي هي عبارة عن خلية واحدة قد تحولت من تلقاء نفسها إلى كائن حي. إن الذي يشاهد بيضة الدجاجة وهي تتحول في ثلاثة أسابيع من مادة شبه متجانسة لا حياة فيها إلى صوص يبدأ بالمشي بمجرد خروجه من البيضة لا بد وأن تصيبه الدهشة ويعترف بأن هنالك معجزة في عملية التحول هذه. ولا بد لهذا الإنسان من أن يتساءل عن الكيفية التي تمكنت بها هذه الخلية التي لا عقل لها من أن تعطي أوامر في غاية الذكاء لبقية الخلايا التي انقسمت منها لكي تقوم بالمهمة المنوطة بها في الزمان والمكان المناسبين! فأعضاء الطائر المختلفة تتطلب أنواعا مختلفة من الخلايا التي تحتاج لأن تغير من خصائصها أثناء الانقسام لتنتج الخلايا التي يبنى منها هيكل الطائر العظمي وعضلاته وجلده وقلبه وكبده ورئته ومعدته وريشه وغير ذلك من الأعضاء. ومما يثير العجب أن كمية المادة الخام التي يحتاجها تصنيع الطائر قد تم حسابها بشكل بالغ الدقة بحيث تتحول بكاملها إلى مكونات الطائر المختلفة فصوص الدجاج يحتاج لتصنيعه لما يقرب من خمسين غرام من المواد العضوية الخام وصوص العصافير يحتاج لتصنيعه أقل من عشرة غرامات من المادة بينما تحتاج الأسماك والحشرات لإنتاج صغارها بيوض بأوزان أقل من ذلك بكثير.
إن الطريقة التي اختارها الله سبحانه وتعالى لتصنيع الكائنات الحية فيها من التعقيد والإبداع والإتقان بحيث لا يمكن لإنسان عاقل أن ينسبها للصدفة بل لا يمكن لها أن تنجز إلا من قبل صانع لا حدود لعلمه وقدرته كما سنبين ذلك فيما بعد. فهذه الطريقة في تصنيع الأشياء ما كانت لتخطر على بال البشر ابتداء ولا يمكنهم بأي حال من الأحوال أن يقلدوها لتصنيع ما يحتاجون من أشياء حتى لو عرفوا كامل تفصيلاتها. فالبشر إذا ما أرادوا تصنيع شيء ما فإنهم يقومون بالبحث عن المواد الخام المتوفرة في تراب الأرض فيستخرجونها ويعالجونها ويشكلونها على شكل قطع وهياكل يستخدمونها في تصنيع مختلف أنواع الأدوات والأجهزة والمعدات. ومن الواضح أن طريقة التصنيع البشرية هذه تتطلب وجود إنسان له عقل يستخدمه ليتخيل ما سيكون عليه شكل الشيء المصنوع وأيدي وأعين يمكنه من خلالها تصنيع ووضع القطع المختلفة في الأماكن المخصصة لها في جسم ذلك الشيء. أما الطريقة الربانية في التصنيع فإنها تختلف تمام الاختلاف عن الطريقة البشرية حيث أن السر الأعظم فيها هو في قدرة الأشياء المصنوعة على إنتاج نسخ طبق الأصل عن نفسها بنفسها وذلك دون تدخل أيّ قوة خارجية. فقد اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يصنع نسخة واحدة فقط من كل نوع من أنواع الكائنات الحية والتي تعد بعشرات الملايين وقد تم برمجة كل نسخة بحيث يمكنها القيام بتصنيع نسخ عنها بطريقة تلقائية ودون توقف. وبما أن هذه الكائنات الحية تحتاج للطاقة لكي تعمل فقد تم برمجتها بحيث يمكنها من تلقاء نفسها توفير الطاقة اللازمة لتشغيل أجسامها من المحيط الذي تعيش فيه سواء كانت هذه الكائنات نباتات لا يمكنها الحركة إطلاقا أو حيوانات تتحرك بكل حرية في البر والبحر والجو. إن مجرد اختيار هذه الطريقة الذكية لتصنيع الأشياء يدحض بشكل قطعي أيّ دور للصدفة في تصنيع الكائنات الحية فأقصى ما يمكن أن تفعله الصدفة هو أن تجمع مكونات شيء ما في حيز واحد ثم تبدأ هذه المكونات بالتراكب مع بعضها بطريقة عشوائية وقد تنجح بعد محاولات كثيرة في تصنيع بعض الأشياء البسيطة. أما أن تقوم الصدفة بالعمل على اختراع طريقة يمكن من خلالها إنتاج نسخ جديدة عن النسخة التي أنتجتها أول مرة وبالصدفة فهذا ما لا يقبله أي عقل سليم. فالصدفة لا وعي لها ولا عقل لها وليس لها مصلحة في أن تخترع طريقة تضمن إنتاج نسخ جديدة عن الشيء الذي سبق أن صنعته. إن الصدفة أعجز من أن تجمع مكونات أبسط الأشياء تركيبا كتصنيع كرسي في غابة مليئة بالأشجار أو مسمار في منجم للحديد فكيف يمكن لها أن تجمع مكونات كائنات حية لها أجسام بالغة التعقيد عجز العلماء عن فهم كثير من أسرارها. ولولا أن طريقة التصنيع الذاتية هذه تحدث أمام أعين البشر كل يوم لما ترددوا في تكذيب فكرة أن يقوم شيء ما بإنتاج نسخة عن نفسه من تلقاء نفسه ولقالوا أن ذلك ضرب من الخيال!
إن طريقة التصنيع الربانية هذه تحتاج لوضع خطة محكمة لخطوات التصنيع لكي تعمل على الوجه الأكمل ولفترات طويلة من الزمن كما نشاهد ذلك في الكائنات الحية التي ظهرت قبل بلايين السنين ولا زالت تنتج نسخا طبق الأصل عن نفسها. وبما أن البشر في هذا العصر على دراية بطرق تصنيع الأشياء على خطوط الانتاج تحت سيطرة الحواسيب فليس من الصعب عليهم أن يحددوا ولو بشكل نظري الخطوات الرئيسية التي تلزم لتصنيع الكائنات الحية باستخدام هذه الطريقة التلقائية. فعملية التصنيع هذه تحتاج أولا تحديد مواصفات الشيء المراد تصنيعه ومن ثم يتم تخزين هذه المواصفات في ذاكرة ما كما يفعل البشر عندما يقومون بتخزين مواصفات الأشياء التي يصنعونها إما في عقولهم أو على الورق أو في ذاكرات الحواسيب. أما الخطوة التالية فهي كتابة برنامج كامل يحدد الخطوات التي يجب أن يتم اتباعها لتصنيع الشيء المراد تصنيعه طبقا للمواصفات المخزنة في الذاكرة. أما الخطوة الثالثة فهي تنفيذ برنامج التصنيع بطريقة ما بحيث يتم تصنيع هذا الشيء باستخدام المواد الخام اللازمة إلى جانب توفير الطاقة اللازمة لعملية التصنيع. وهذا ما تم اكتشافه تماما من قبل العلماء فقد كتب الله سبحانه وتعالى مواصفات أجسام جميع أنواع الكائنات الحية بطريقة رقمية على أشرطة طويلة ودقيقة من الحامض النووي أودعها سبحانه داخل الخلايا الحية. وبمجرد وضع هذه الخلايا في الوسط المناسب فإن شريط الحامض النووي يقوم بتنفيذ برنامج التصنيع المخزن عليه ليصنع كائن حي كامل ابتداء من هذه الخلية. ولم يكتف سبحانه وتعالى ببرمجة الخلية الحية بحيث يمكنها إنتاج كائن حي بكامل تفاصيله لمرة واحدة فقط بل قام ببرمجة خلايا الكائن الحي الناتج بحيث يمكنه إنتاج خلية حية تكاثرية تقوم بتصنيع كائن جديد يقوم بدوره بإنتاج خلية جديدة وهكذا دواليك. وبما أن هنالك ملايين الأنواع من الكائنات الحية تعيش على سطح الأرض وتعتمد على بعضها البعض في توفير أسباب عيشها وضمان بقائها فإنه من الضروري وجود توازن بين أعداد هذه الكائنات بحيث لا يتعرض بعضها للانقراض وهذا يتطلب كتابة البرامج المتعلقة بأعمار ومعدلات تكاثر وأنواع طعام ملايين الأنواع من الكائنات بشكل بالغ الدقة. وتتم عملية تكاثر الكائنات الحية بشتى أنواعها بطريقة غريزية بحيث يقتصر دور الكائنات الحية بما فيها الإنسان على التزاوج بدافع الشهوة وكذلك رعاية بعض أنواع الكائنات حديثة الولادة لفترة قصيرة من الزمن. وباستثناء التزاوج والرعاية فإن جميع الكائنات الحية لا تتدخل أبدا في عملية التصنيع هذه، فالإنسان وهو الوحيد بين الكائنات الحية القادر على تصنيع الأشياء يقف مكتوف الأيدي إذا ما فشل جسمه أو جسم زوجه في إنتاج خلايا التكاثر التي تنتج كائنا جديدا منهما.
ولقد شرحنا في مقالة سابقة تحت عنوان قوله تعالى"ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ" تركيب شريط الحامض النووي وذكرنا أنه هو المسؤول عن تصنيع أجسام جميع أنواع الكائنات ابتداء من خلية واحدة. فكامل مواصفات جسم الكائن الحي وكذلك برنامج تصنيعه قد تمت كتابتها بطريقة رقمية وبكثافة تخزين تصل إلى ثلاثين مليون حرف على كل سنتيميتر من طول الشريط. وقد تم لف هذا الشريط الذي يبلغ عرضه نانومترين اثنين فقط وقد يصل طوله إلى المترين بطريقة بالغة الاتقان على اسطوانات بروتينية يصل قطر الواحدة منها ثلاثين نانومتر ولا يتجاوز طولها الميكرومتر الواحد لكي يتم وضعه في خلايا لا يتجاوز قطرها عدة ميكرومترات. وقد تم كتابة برنامج التصنيع باستخدام أربعة أحرف وشيفرات يبلغ طول الواحدة منها ثلاثة أحرف مما يعني أن عدد الشيفرات يبلغ أربع وستون شيفرة كما هو مبين في الشكل. إن المسافة بين حروف الشيفرة الوراثية لا يتجاوز ثلث نانومتر ولذلك فإنه من المستحيل رؤيتها إلا باستخدام الميكرسكوبات الإلكترونية. وفي مقابل ذلك نجد أن هذا الشريط يقوم من خلال بعض مكونات الخلية من قراءة كل حرف من حروفه وبنسبة خطأ لا تكاد تذكر. إن كتابة المعلومات الوراثية بهذه الطريقة الرقمية وبهذه الكثافة العالية تعتبر معجزة من معجزات الحياة ولكن هذه المعجزات لا تقارن أبدا بالمعجزات الموجودة في الآليات التي يستخدمها هذا الشريط لتصنيع أجسام الكائنات. وبما أن برنامج التصنيع هذا مكتوب بطريقة رقمية فإن أول ما تبادر لذهن العلماء حول الكيفية التي يتم بها تنفيذ هذا البرنامج هو الطريقة التي ينفذ بها الحاسوب الرقمي برامجه. فالحاسوب يقوم بتنفيذ البرنامج من خلال تخزينه في الذاكرة وبمجرد إعطاء إشارة البدء لتنفيذ البرنامج من قبل الإنسان فإن وحدة المعالجة المركزية تتولى تنفيذ البرنامج من خلال جلب الأوامر والبيانات من الذاكرة إليها ثم تقوم بمعالجتها وإصدار التعليمات للوحدات الطرفية لإظهار النتائج. ولقد خاب ظن العلماء عندما وجدوا أن الخلية الحية لا تحتوي على وحدة معالجة مركزية تقوم بتنفيذ التعليمات المخزنة على الشريط الوراثي بل وجدوا أن هذا الشريط يقوم بكامل مهام الحاسوب فهو يعمل كوحدة معالجة مركزية ويعمل كذاكرة لتخزين المعلومات في نفس الوقت. إن الشريط الوراثي أشبه ما يكون بالشريط المغناطيسي الذي كانت تستخدمه الأنواع الأولى من الحواسيب حيث أن البرامج والمعلومات مكتوبة بشكل متسلسل على طول الشريط. وفي الحواسيب القديمة تقوم وحدة المعالجة المركزية بالتحكم في حركة البكرات التي تحمل الشريط وذلك للوصول إلى مكان الأوامر والبيانات المخزنة عليه ولكن الشريط الوراثي يرقد ساكنا في داخل نواة الخلية إلا أنه يقوم بتنفيذ برامج رقمية يفوق تعقيدها ملايين المرات التعقيد الموجود في برامج الحاسوب.
لقد انصبت جهود علماء الأحياء على كشف أربعة أسرار رئيسية في هذه الطريقة الربانية لتصنيع الأشياء فالسر الأول يتعلق بالطريقة التي يتمكن بها الشريط الوراثي أحادي البعد لتصنيع البروتينات وهي جزيئات ثلاثية الأبعاد تستخدم كلبنات لبناء مكونات الخلية وكأنزيمات للتحكم في العمليات الحيوية ولقراءة المعلومات الوراثية. أما السر الثاني فيتعلق بالطريقة التي يتم بها بناء مكونات الخلية البالغة الصغر والبالغة التعقيد من هذه البروتينات في غياب أي قوة خارجية تقوم بوضعها في الأماكن المخصصة لها في جسم المكون. أما السر الثالث فيتعلق بالطريقة التي تنقسم بها الخلية إلى خليتين متماثلتين وكذلك الشريط الوراثي إلى شريطين. أما السر الرابع فيتعلق بالطريقة التي تصطف بها الخلايا المنقسمة لتصنع كل جزء من أجزاء جسم الكائن الحي وذلك ابتداء من خلية واحدة. ولقد تمكن علماء الأحياء من كشف بعض الآليات التي يستخدمها الشريط الوراثي لتنفيذ البرامج المخزنة عليه ووجدوا أن فيها من التعقيد ومن الإتقان ما يجعل الإنسان العاقل يسلم بأن الذي صممها لا حدود لعلمه وقدرته سبحانه وتعالى. إن كل آلية من هذه الآليات يحتاج شرحها مقالة كاملة ولكن لكي لا تطول هذه المقالة سنكتفي بشرح الخطوط الرئيسية لكل آلية من هذه الآليات.
أما الآلية الأولى في طريقة التصنيع الذاتية فهي أن كل كلمة من كلمات الشريط الوراثي هي عبارة عن شيفرة لأحد الأحماض الأمينية العشرين التي تبنى منها البروتينات والتي تتكون من سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية ترتبط ببعضها البعض وفق ترتيبات محددة. وقد اكتشف العلماء أن الجينات الموجودة على الكروموسومات ما هي إلا برامج تحدد ترتيب الأحماض الأمينية لكل بروتين ويتراوح عدد الجينات في الكائنات الحية بين عدة جينات في الفيروسات وعشرات الآلاف من الجينات في الإنسان. ويتم تصنيع البروتينات في الرايبوسومات الموجودة في سيتوبلازم الخلية بعد أن يتم تزويدها بالأحماض الأمينية ونسخة من التعليمات التي تبين ترتيبها. وبما أن هذه التعليمات مخزنة على الشريط الوراثي الموجود في نواة الخلية والذي لا يمكنه مغادرتها بسبب كبر حجمه النسبي فقد تمكن العلماء من اكتشاف شريط حامض نووي أحادي السلسلة يسمى الشريط المراسل يقوم بأخذ نسخة عن ترتيب الأحماض الأمينية وينقلها إلى الرايبوسومات. وقد ذهل العلماء عند اكتشافهم تركيب الرايبوسومات حيث وجدوا أنها تستخدم أحدث طرق التصنيع الحديثة والتي تستخدم الحواسيب للتحكم في عمليات التصنيع. وتبدأ عملية تصنيع البروتين بقيام الشريط الوراثي بإصدار الأمر لأخذ نسخة عن التعليمات التي تحدد ترتيب الأحماض الأمينية لهذا البروتين فيبادر إنزيم خاص بفتح سلسلتي الشريط الرئيسي في مكان الجين المنشود ثم يقوم الشريط المراسل بأخذ نسخة عنها ويغادر نواة الخلية صوب الرايبسوم. وعند وصوله يقوم الرايبوسوم بتمرير الشريط المراسل في تجويف خاص كما تمرر الأشرطة المغناطيسية في المسجلات السمعية والمرئية أمام رؤوس القراءة ويبدأ بقراءة الشيفرات التي يحملها بشكل متسلسل. وتتم عملية تصنيع البروتين من خلال قيام الرايبوسوم بالوقوف على كل شيفرة من الشيفرات التي يحملها الشريط المراسل وذلك لحين وصول الأشرطة الناقلة المكلفة بنقل الأحماض الأمينية الموزعة في سيتوبلازم الخلية إلى موقع الرايبوسوم. والشريط الناقل هو شريط حامض نووي قصير يحمل على أحد جنبيه شيفرة أحد الأحماض الأمينية وعلى الجنب الآخر الحامض الأميني نفسه وبهذا يوجد لكل حامض أميني من الأحماض الأمينية العشرين شريط ناقل خاص به. وعندما يصطف الشريط الناقل بجانب تجويف الرايبوسوم يتم مقارنة الشيفرتين فإن تطابقت يقوم الرايبوسوم بالإمساك بالحامض الأميني وإن لم تتطابق فإنه سيهملها ويقوم بفحص بقية الأشرطة الناقلة التي تحيط به إلى أن يعثر على الحامض الأميني المطلوب. وبعد إمساك الرايبوسوم بالحامض الأميني يقوم بإدخال شيفرة جديدة من الشريط المراسل ويعيد عملية البحث عن الحامض الأميني التالي فإن أمسك به وضعه بجانب الحامض الأميني السابق ويقوم بربطه به. وتتكرر هذه العملية إلى أن ينتهي الرايبوسوم من ربط جميع الأحماض الأمينية حسب الترتيب الموجود على الشريط المراسل. ومن ثم يقوم الرايبسوم بتحرير سلسلة الأحماض الأمينية التي قام بربطها والتي تبدأ بالالتفاف حول نفسها لتنتج البروتين المطلوب. ومما حير العلماء أنه في داخل الخلية الواحدة التي لا يتجاوز قطرها عدة ميكرومترات يتم إنتاج آلاف الأنواع من البروتينات في نفس الوقت وبكميات كبيرة ولكنها محسوبة بشكل بالغ الدقة. وللقارئ أن يتخيل منظر آلاف الأنزيمات وهي تفتح الشريط الرئيسي في مواقع مختلفة عليه ومنظر الأشرطة المراسلة وهي تقوم بنسخ تعليمات التصنيع من هذه المواقع ثم تتجه صوب الرايبسومات لتسلمها هذه التعليمات ومنظر الأشرطة الناقلة وهي تتجمع حول الرايبسوم لتزودها بالأحماض الأمينية اللازمة لها. وعلى الرغم من هذا التشابك المعقد الناتج عن حركة ملايين الجزيئات من الأشرطة المراسلة والناقلة والرايبوسومات ومزودات الطاقة في داخل الخلية التي لا ترى بالعين المجردة إلا أنها تتم بشكل بالغ الانتظام بحيث لا يمكن لأي جزئ أن يخطأ الهدف الذي صنع من أجله فسبحان القائل "قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى" طه 50.
المصدر: منتديات الشاعر نتlk k'tm ogri tr]vi










ولقد شرحنا في مقالة سابقة تحت عنوان قوله تعالى"ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ" تركيب شريط الحامض النووي وذكرنا أنه هو المسؤول عن تصنيع أجسام جميع أنواع الكائنات ابتداء من خلية واحدة. فكامل مواصفات جسم الكائن الحي وكذلك برنامج تصنيعه قد تمت كتابتها بطريقة رقمية وبكثافة تخزين تصل إلى ثلاثين مليون حرف على كل سنتيميتر من طول الشريط. وقد تم لف هذا الشريط الذي يبلغ عرضه نانومترين اثنين فقط وقد يصل طوله إلى المترين بطريقة بالغة الاتقان على اسطوانات بروتينية يصل قطر الواحدة منها ثلاثين نانومتر ولا يتجاوز طولها الميكرومتر الواحد لكي يتم وضعه في خلايا لا يتجاوز قطرها عدة ميكرومترات. وقد تم كتابة برنامج التصنيع باستخدام أربعة أحرف وشيفرات يبلغ طول الواحدة منها ثلاثة أحرف مما يعني أن عدد الشيفرات يبلغ أربع وستون شيفرة كما هو مبين في الشكل. إن المسافة بين حروف الشيفرة الوراثية لا يتجاوز ثلث نانومتر ولذلك فإنه من المستحيل رؤيتها إلا باستخدام الميكرسكوبات الإلكترونية. وفي مقابل ذلك نجد أن هذا الشريط يقوم من خلال بعض مكونات الخلية من قراءة كل حرف من حروفه وبنسبة خطأ لا تكاد تذكر. إن كتابة المعلومات الوراثية بهذه الطريقة الرقمية وبهذه الكثافة العالية تعتبر معجزة من معجزات الحياة ولكن هذه المعجزات لا تقارن أبدا بالمعجزات الموجودة في الآليات التي يستخدمها هذا الشريط لتصنيع أجسام الكائنات. وبما أن برنامج التصنيع هذا مكتوب بطريقة رقمية فإن أول ما تبادر لذهن العلماء حول الكيفية التي يتم بها تنفيذ هذا البرنامج هو الطريقة التي ينفذ بها الحاسوب الرقمي برامجه. فالحاسوب يقوم بتنفيذ البرنامج من خلال تخزينه في الذاكرة وبمجرد إعطاء إشارة البدء لتنفيذ البرنامج من قبل الإنسان فإن وحدة المعالجة المركزية تتولى تنفيذ البرنامج من خلال جلب الأوامر والبيانات من الذاكرة إليها ثم تقوم بمعالجتها وإصدار التعليمات للوحدات الطرفية لإظهار النتائج. ولقد خاب ظن العلماء عندما وجدوا أن الخلية الحية لا تحتوي على وحدة معالجة مركزية تقوم بتنفيذ التعليمات المخزنة على الشريط الوراثي بل وجدوا أن هذا الشريط يقوم بكامل مهام الحاسوب فهو يعمل كوحدة معالجة مركزية ويعمل كذاكرة لتخزين المعلومات في نفس الوقت. إن الشريط الوراثي أشبه ما يكون بالشريط المغناطيسي الذي كانت تستخدمه الأنواع الأولى من الحواسيب حيث أن البرامج والمعلومات مكتوبة بشكل متسلسل على طول الشريط. وفي الحواسيب القديمة تقوم وحدة المعالجة المركزية بالتحكم في حركة البكرات التي تحمل الشريط وذلك للوصول إلى مكان الأوامر والبيانات المخزنة عليه ولكن الشريط الوراثي يرقد ساكنا في داخل نواة الخلية إلا أنه يقوم بتنفيذ برامج رقمية يفوق تعقيدها ملايين المرات التعقيد الموجود في برامج الحاسوب.
أما الآلية الأولى في طريقة التصنيع الذاتية فهي أن كل كلمة من كلمات الشريط الوراثي هي عبارة عن شيفرة لأحد الأحماض الأمينية العشرين التي تبنى منها البروتينات والتي تتكون من سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية ترتبط ببعضها البعض وفق ترتيبات محددة. وقد اكتشف العلماء أن الجينات الموجودة على الكروموسومات ما هي إلا برامج تحدد ترتيب الأحماض الأمينية لكل بروتين ويتراوح عدد الجينات في الكائنات الحية بين عدة جينات في الفيروسات وعشرات الآلاف من الجينات في الإنسان. ويتم تصنيع البروتينات في الرايبوسومات الموجودة في سيتوبلازم الخلية بعد أن يتم تزويدها بالأحماض الأمينية ونسخة من التعليمات التي تبين ترتيبها. وبما أن هذه التعليمات مخزنة على الشريط الوراثي الموجود في نواة الخلية والذي لا يمكنه مغادرتها بسبب كبر حجمه النسبي فقد تمكن العلماء من اكتشاف شريط حامض نووي أحادي السلسلة يسمى الشريط المراسل يقوم بأخذ نسخة عن ترتيب الأحماض الأمينية وينقلها إلى الرايبوسومات. وقد ذهل العلماء عند اكتشافهم تركيب الرايبوسومات حيث وجدوا أنها تستخدم أحدث طرق التصنيع الحديثة والتي تستخدم الحواسيب للتحكم في عمليات التصنيع. وتبدأ عملية تصنيع البروتين بقيام الشريط الوراثي بإصدار الأمر لأخذ نسخة عن التعليمات التي تحدد ترتيب الأحماض الأمينية لهذا البروتين فيبادر إنزيم خاص بفتح سلسلتي الشريط الرئيسي في مكان الجين المنشود ثم يقوم الشريط المراسل بأخذ نسخة عنها ويغادر نواة الخلية صوب الرايبسوم. وعند وصوله يقوم الرايبوسوم بتمرير الشريط المراسل في تجويف خاص كما تمرر الأشرطة المغناطيسية في المسجلات السمعية والمرئية أمام رؤوس القراءة ويبدأ بقراءة الشيفرات التي يحملها بشكل متسلسل. وتتم عملية تصنيع البروتين من خلال قيام الرايبوسوم بالوقوف على كل شيفرة من الشيفرات التي يحملها الشريط المراسل وذلك لحين وصول الأشرطة الناقلة المكلفة بنقل الأحماض الأمينية الموزعة في سيتوبلازم الخلية إلى موقع الرايبوسوم. والشريط الناقل هو شريط حامض نووي قصير يحمل على أحد جنبيه شيفرة أحد الأحماض الأمينية وعلى الجنب الآخر الحامض الأميني نفسه وبهذا يوجد لكل حامض أميني من الأحماض الأمينية العشرين شريط ناقل خاص به. وعندما يصطف الشريط الناقل بجانب تجويف الرايبوسوم يتم مقارنة الشيفرتين فإن تطابقت يقوم الرايبوسوم بالإمساك بالحامض الأميني وإن لم تتطابق فإنه سيهملها ويقوم بفحص بقية الأشرطة الناقلة التي تحيط به إلى أن يعثر على الحامض الأميني المطلوب. وبعد إمساك الرايبوسوم بالحامض الأميني يقوم بإدخال شيفرة جديدة من الشريط المراسل ويعيد عملية البحث عن الحامض الأميني التالي فإن أمسك به وضعه بجانب الحامض الأميني السابق ويقوم بربطه به. وتتكرر هذه العملية إلى أن ينتهي الرايبوسوم من ربط جميع الأحماض الأمينية حسب الترتيب الموجود على الشريط المراسل. ومن ثم يقوم الرايبسوم بتحرير سلسلة الأحماض الأمينية التي قام بربطها والتي تبدأ بالالتفاف حول نفسها لتنتج البروتين المطلوب. ومما حير العلماء أنه في داخل الخلية الواحدة التي لا يتجاوز قطرها عدة ميكرومترات يتم إنتاج آلاف الأنواع من البروتينات في نفس الوقت وبكميات كبيرة ولكنها محسوبة بشكل بالغ الدقة. وللقارئ أن يتخيل منظر آلاف الأنزيمات وهي تفتح الشريط الرئيسي في مواقع مختلفة عليه ومنظر الأشرطة المراسلة وهي تقوم بنسخ تعليمات التصنيع من هذه المواقع ثم تتجه صوب الرايبسومات لتسلمها هذه التعليمات ومنظر الأشرطة الناقلة وهي تتجمع حول الرايبسوم لتزودها بالأحماض الأمينية اللازمة لها. وعلى الرغم من هذا التشابك المعقد الناتج عن حركة ملايين الجزيئات من الأشرطة المراسلة والناقلة والرايبوسومات ومزودات الطاقة في داخل الخلية التي لا ترى بالعين المجردة إلا أنها تتم بشكل بالغ الانتظام بحيث لا يمكن لأي جزئ أن يخطأ الهدف الذي صنع من أجله فسبحان القائل "قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى" طه 50. 


رد مع اقتباس
أما الآلية الثالثة فهي قدرة بعض البروتينات للعمل كأنزيمات تعمل كمحفزات للتفاعلات الكيميائية التي تجري في داخل الخلايا الحية وفي هذه السر تكمن أسرار كثيرة لا يمكن لطريقة التصنيع الذاتية أن تنجح بدونها. أما أولها فهي أن التفاعلات الكيميائية تتم بين الجزيئات العضوية المختلفة عند درجات حرارة عادية بوجود هذه الأنزيمات أما في غيابها فلا يمكن لمثل هذه التفاعلات أن تتم إلا عند درجات عالية جداً. وبهذه الخاصية الفريدة للأنزيمات تم تقليل الطاقة اللازمة لإتمام التفاعلات الكيمائية في أجسام الكائنات الحية وبالتالي تقليل كمية الطاقة التي تحتاجها الكائنات الحية لكي تعيش. أما ثانيها فهو إمكانية التحكم بأنواع التفاعلات الكيمائية التي تجري في داخل الخلية الحية حيث تبين للعلماء أن لكل تفاعل كيميائي هنالك إنزيم واحد فقط يمكنه تحفيز مثل هذا التفاعل. وبهذه الخاصية يمكن لآلاف الأنواع من الجزيئات أن تجتمع في نفس الحيز داخل الخلية الحية ولا تتفاعل في ما بينها إلا بوجود الأنزيمات فعندما يصل إنزيم معين لهذا الخليط من الجزيئات فإن التفاعل يتم بين جزيئات معينة وتبقى بقية أنواع الجزيئات على حالها بدون تفاعل. إن إحدى الآليات المقترحة لتنفيذ البرامج المخزنة على الشريط الوراثي هو في قيام أنزيم محدد بفتح الشريط لقراءة الجين الذي يحدد بداية هذا البرنامج ثم يقوم هذا الجين بإعطاء الأمر لتصنيع إنزيم يقوم بفتح الشريط في مكان آخر حسب الخطوات المحددة في البرنامج وهكذا تتوالى عمليات تصنيع البروتينات وتحفيز الجينات بالإنزيمات في داخل الخلايا إلى أن ينتهي تنفيذ كامل البرنامج. وإذا ما علمنا أن الشريط الوراثي للإنسان يحتوي على ما يقرب من مائة ألف جين فإن عملية الوصول للمعلومات المخزنة عليه تحتاج لتحديد مواصفات عشرات الآلاف من الإنزيمات بحيث لا يمكن لأي إنزيم أن يخطئ أبدا في الوصول لمكان الجين الخاص به على الشريط علما بأن طول الجينات الموجودة على الشريط لا يتجاوز خمسين نانومتر.
أما الآلية الرابعة فهي أن مكونات الخلية المختلفة يتم تصنيعها من خلال إنتاج جميع البروتينات اللازمة لبنائها ومن ثم تقوم هذه البروتينات بالتراكب مع بعضها البعض بشكل تلقائي وبتسلسل محدد وذلك بمجرد التقائها في حيز واحد. ولا يمكن لهذه العملية أن تنجح إلا إذا تم تصنيع كل بروتين من البروتينات التي تدخل في تركيب هذا المكون بشكل فريد ومميز بحيث لا يمكنه الارتباط بجسم المكون أثناء عملية تصنيعه إلا في مكان محدد. ولتوضيح ذلك فإن عملية تصنيع المكون تبدأ بارتباط بروتينين لإنتاج شكل محدد لا يسمح إلا لبروتين ثالث محدد الشكل بالارتباط بهما لينتج شكلا جديدا لا يسمح بدوره إلا لبروتين محدد آخر للارتباط به وهكذا تستمر عملية البناء من خلال تسلسل محدد لعملية اتخاذ البروتينات لمواقعها المحددة في جسم المكون. وبعد أن تنتهي عملية تصنيع المكون بالشكل المطلوب لا يسمح لأي بروتين مهما كان نوعه بالارتباط بجسم المكون وإلا لتغير شكله ولفشل في القيام بوظيفته. إن هذه الطريقة في تصنيع مكونات الخلية أشبه ما تكون بالطريقة التي يبني بها الأطفال مكعبات الليغو أو الرسومات المبعثرة على قطع الكرتون أو ما يسميه العلماء طريقة المفتاح والقفل. ولولا أن العلماء يرون بأم أعينهم الخلايا وهي تصنع جميع مكوناتها بكل سهولة ويسر ولا تكاد تخطئ في إنتاج هذه المكونات بأشكالها المطلوبة مهما تكررت عملية التصنيع لظن بعضهم أن عملية تصنيع المكونات هذه هي ضرب من الخيال. إن المبدأ التي تقوم عليه طريقة التصنيع الذاتية لمكونات الخلية هو نفس المبدأ الذي تقوم عليه عملية تصنيع البروتينات من الأحماض الأمينية فبعد أن يتم ربط هذه الأحماض ببعضها البعض على شكل سلسلة تبدأ هذه السلسلة الأحادية البعد بالالتفاف على بعضها البعض من خلال تجاذب هذه الأحماض في المواقع المختلفة على طول السلسلة لتنتج جسما ثلاثي الأبعاد له شكل مميز وفريد للبروتين المطلوب.
وتقوم الخلية عند انقسامها بتوزيع محتوياتها الداخلية بعد إنتاج عدد كاف منها إلى مجموعتين ثم تقوم بوضع جدار فاصل بين هاتين المجموعتين لتنتج خليتين كل واحدة منهما نسخة طبق الأصل عن الخلية الأم التي أنتجتهما. وعلى الرغم من أن الخليتين الناتجتين قد تبدوان متماثلتين من حيث الشكل إلا أن البرامج المخزنة على أشرطتهما الوراثية والتي ستقومان بتنفيذها لاحقا ليس من الضروري أن تكون متماثلة وإلا لنتج عن عملية الانقسام المتكررة لهذه الخلايا كتلة من الخلايا المتشابهة وغير المتخصصة.


Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.5.0 RC2
مواقع النشر (المفضلة)